الترحم على غير مسلم

هُمْ يَقْنَطُونَ﴾[الروم:36], على الرغم من أن الإنسان هو المسؤول عن إصابة نفسه بالسيئة, وحتى أن من عباده المسرفين على أنفسهم من ييأس ويسخط ويُحبط ويقطع أمله بالله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[الزمر:53], وهذا لا يتعارض مع قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...).
............

وصحيح أن رحمة الله وسعت كل شيء, لكن من ألحد عن الطريق الحق استحق الطرد من رحمته: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:23], وقوله أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:161], ومن هنا أمر الله نبيه: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾[التوبة:84]. وذلك بعد أن تبين كفرهم, وكما انطرد أيضًا إبليس من رحمة الله بلعنة الله له: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾[ص:77-78].
............

واللّعن يُشير في مختصره إلى الطرد والإبعاد من الخير وبابه القطع, فكأن الله عز وجل كما وسعت رحمته كل شيء, فقد قطع الله هذه الرحمة عمن لُعِنوا وطُرِدوا من خير الله وإن تمتعوا برحمته إلى حين يأتي الميعاد, وتأجلت عقوبتهم إلى الآخرة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾[النحل:61], وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾[الكهف:58], لذا يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي: "فجعلها أي: الرحمة, من أسمائه التي يوصف بها, أما العذاب فجعله من جملة أفعاله". 
....................

فقد جاء في لسان العرب عن اللعن: "الإِبْعادُ والطَّرْد مِنَ الْخَيْرِ ، وَقِيلَ : الطَّرْد والإِبعادُ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنَ الخَلْق السَّبُّ والدُّعاء ... وكلُّ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَدْ أَبعده عَنْ رَحْمَتِهِ وَاسْتَحَقَّ العذابَ فَصَارَ هَالِكًا", وقال الراغب الأصفهاني: "اللعن هو الطرد والإبعاد على سبيل السخط, وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة, وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه, ومن الإنسان دعاء على غيره" وقد شمل اللّعن في القرآن:  الكفار, والمشركون, والمنافقون, والمرتدون, والمفسدون في الأرض, والمقطعون للأرحام, والكاتمون لما أنزل الله من البينات, والمحرفون لكلام الله, والظالمون, والذين يؤذون الله ورسوله, وينقضون العهد, ويقذفون الأعراض, ويظنون بالله ظن السوء, ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا, والمفترون على الله
............

ونميل إلى...

 أن رحمة الله شملت كل الموجودات في الكون من الرحمة الوجودية وإبقائهم على قيد الحياة وإنعامهم في النعم الوجودية, بما فيهم من لُعِنوا وطُرِدوا من رحمة الله إلى أن تقوم الساعة, ثم بعد ذلك تنحصر الرحمة للمؤمنين فقط, لذا قال الله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:156]. فأتبع اقتضاء تحقيق الرحمة في الآخرة بحرف العطف: (فـــ) والذي يفيد تتابع شيئين بينهما فاصل زمني قصير, وأدخله على فعل مضارع يسبقه حرف الـ (سـ) دلالة على وقوع الحدث في المستقبل, وهذا الحدث هو حصر الرحمة للمؤمنين في الآخرة دون غيرهم, وهذا ما يقتضي العقل البشري فهمه, دون الخوض في غيبيات لا يستوعبها العقل البشري خاصةً بعد سكوت الوحي عنها.
............

بناءً عليه:

وبناءً عليه, فتراحموا الناس, أي: تعاطفوا فيما بينهم, وتعاملوا برقة وعطف ولين, أما إطلاق لفظ المرحوم على العموم, يشير إلى المتوفَّى والميت والفقيد كإشارة إلى تمتع المرحوم برحمة الله وعفوه, 

وأما طلب الرحمة للمتوفَّى والدعاء له بالرحمة, فهو إطلاقٌ لعامة المتوفيين والموتى عدا ما ذُكر في حقهم اللَّعن والعِلَّة التي تمنعنا من طلب الرحمة لهم كمن تبيَّن لنا أنهم من أصحاب الجحيم ومن أعلن إنكاره لوجود الله بعد أن تبيَّن له الحق فهو منكرٌ لرحمته فلا حاجة لطلب الرحمة لمن أنكر واهبها صراحةً, 

وسواء تفضلّنا وطلبنا ودعينا له بالرحمة أو الاستغفار فلن يُفيد ذلك (وقد نُهي عنه ولا يقع تحت التحريم, والتعزية مقبولة لأهل المفقود من باب الود والتواصل الاجتماعي إن وُجد والمواساة والحزن دون التشمّت بهم أو السخط عليهم) والأمر مردودٌ في تحقيقه إلى الله.

 ويجوز طلب الرحمة (تشمل المؤمن والغير مؤمن) دون الاستغفار(الاستغفار مخصص للمؤمنين فقط) لمن هو دون ذلك على ظاهره من الحسن والله أعلم بما في النفوس: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ربُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا﴾[الإسراء:25]. 
............

تعليقات